المجلة العلمية

النرجسية عند الأطفال واليافعين: بين حب الذات والتمركز حولها

في زمنٍ صارت فيه العدسة الأمامية مرآة الوعي، والنجاح يُقاس بعدد المتابعين والإعجابات، يبرز سؤال تربوي جوهري: هل ما نراه اليوم من مبالغات في حب الذات لدى الأطفال واليافعين هو تطوّر طبيعي أم عرضٌ لاضطرابٍ خفيّ؟

النرجسية، في جوهرها، ليست مجرد الغرور أو الإعجاب بالنفس، بل نمطٌ نفسيّ يتمحور حول الذات، يرافقه شعور مبالغ بالأهمية، وحاجة دائمة للإعجاب، وضعف في التعاطف مع الآخرين. وهي درجات تبدأ من الميل الطبيعي لحب الذات، وصولًا إلى حالةٍ مرضية تُسمّى اضطراب الشخصية النرجسية.

من أين تنشأ النرجسية؟

تتشكل النرجسية في مراحل الطفولة المبكرة، حيث يتعلم الطفل كيف يرى نفسه من خلال عيون الآخرين. هناك ثلاثة عوامل رئيسية تساهم في نشوئها:

  1. التربية القائمة على المديح المفرط دون إنجاز حقيقي
    حين يسمع الطفل باستمرار أنه “الأفضل” أو “الأذكى” دون ربط ذلك بجهده أو سلوكه، يتكوّن لديه اعتقاد داخلي بأنه مميز بطبيعته لا بعمله.
  2. الإهمال أو التقلب في المعاملة
    على النقيض، قد تنشأ النرجسية كآلية دفاعية لدى الطفل الذي لم يتلقَّ حبًّا كافيًا، فيبني صورةً مثالية عن ذاته ليعوض حرمانه العاطفي.
  3. البيئة الرقمية ومجتمع الإعجابات
    مع ازدياد الوقت الذي يقضيه الأطفال واليافعون أمام الشاشات، تتضخم “الأنا الرقمية” — صورة الذات في العالم الافتراضي — فيختلط التقدير الذاتي بعدد المتابعين والتعليقات.

في المراهقة… حين تكبر المرآة

في مرحلة المراهقة، يبحث الفرد عن هويته واستقلاله، وهي فترة طبيعية للتجريب وإبراز الذات. لكن الخط الفاصل بين الاعتزاز بالنفس والنرجسية المؤذية قد يكون دقيقًا.
المراهق النرجسي يرى العالم ساحة لإثبات تفوقه، يرفض النقد، ويقيس قيمته بمقدار إعجاب الآخرين به. وإذا لم يجد هذا الإعجاب، يشعر بالإهانة والرفض.
هذا لا يعني أن كل مراهق يميل إلى إظهار نفسه هو نرجسي؛ فحب الظهور والتعبير عن الذات من سمات النمو النفسي السوي، لكن المبالغة المستمرة هي ما تدق ناقوس الخطر.

كيف نتعامل تربويًا؟

التربية المتوازنة هي الدرع الأهم.

  • المديح الواقعي: امدح الجهد لا النتيجة.
  • تعليم التعاطف: ناقش مع الطفل مشاعر الآخرين، وشجّعه على مساعدة من حوله.
  • القدوة الصادقة: الأطفال يتعلمون من سلوكنا أكثر من كلماتنا؛ فإذا رأوا تواضعًا حقيقيًا في الوالدين والمربين، قلّدوه.
  • إعادة تعريف النجاح: بدل أن يكون النجاح “أن أكون الأفضل”، ليكن “أن أكون أفضل من نفسي بالأمس”.

بين الاعتزاز والنرجسية

حب الذات ضروري للنضج النفسي، فهو ما يمنح الطفل الثقة بقدراته. لكن حين يتحوّل هذا الحب إلى تمجيدٍ للذات وانفصالٍ عن الواقع، يصبح عبئًا على علاقاته ومستقبله. التربية هنا ليست نقيض النرجسية، بل هي ترويضٌ لها لتظلّ في حدودها الصحية.


مصادر موثوقة:

  1. American Psychological Association (APA). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, 5th Edition (DSM-5) – تعريف اضطراب الشخصية النرجسية.
  2. Twenge, J.M. & Campbell, W.K. (2009). The Narcissism Epidemic: Living in the Age of Entitlement. New York: Free Press.
  3. Millon, T. (2011). Disorders of Personality: Introducing a DSM/ICD Spectrum from Normal to Abnormal.
  4. جمعية علم النفس التربوي العربية – دراسات حول أثر البيئة الرقمية في تنمية النرجسية لدى المراهقين (2022).
اظهر المزيد

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى