بيانات صحفيةجديدرئيسي

بلاغ رسمي

منذ ماي 2011، شكّلت أطفال علماء إحدى أبرز وأنبل التجارب المعرفية والعلمية المستقلة في روحها، الطموحة في رؤيتها، والمؤمنة بأن الطفل التونسي يستحق فضاءً حقيقياً للعلم والاكتشاف والتفكير الحر. وعلى امتداد خمسة عشر عاماً، ساهمنا بفاعلية في إثراء المشهد المعرفي والعلمي في تونس، وأطلقنا مخيمات علمية، ونوادٍ، ومسابقات، وتظاهرات، ومؤتمرات، وبرامج نوعية بالشراكة مع مؤسسات عمومية وخاصة، وتركنا أثراً ملموساً ومستداماً في مئات الأطفال والعائلات.

عملنا طوال هذه السنوات دون مقر قار. لم يكن لدينا فضاء دائم نلتقي فيه أو نبرمج داخله أنشطتنا، ومع ذلك صمدنا. تحمّل المدربون والمؤسسون أعباء مالية وتشغيلية كبيرة من مواردهم الخاصة، وحرصنا دائماً على توجيه ما يتوفر من إمكانات إلى البرامج الفعلية ذات الأثر، وتقليص كل المصاريف الجانبية إلى أدنى حد.

وفيما يتعلق بالتطوع، نؤكد أن أطفال علماء لم تكن يوماً جمعية قائمة على منطق العدد، بل على منطق الاختصاص والكفاءة والانضباط. منذ بدايتنا، حرصنا على استقطاب فئات ذات خلفيات علمية ومهارية محددة، مستقرة نفسياً، طموحة، ومؤمنة برسالة العمل مع الطفل واليافع. كنا نقوم باختيارهم بعناية فائقة واهتمام دقيق وفق معايير واضحة تحترم جودة المحتوى وسلامة البيئة التربوية. ويشهد كثيرون على صرامة نظام انتداب المدربين لدينا، وعلى المسار التكويني الذي يخضعون له قبل إسناد مسؤوليات الإشراف أو التنشيط أو التأطير التربوي والتعليمي داخل مختلف البرامج.

لم يكن هدفنا يوماً تضخيم الأرقام أو توسيع القاعدة الشكلية للمنخرطين، بل ضمان جودة العمل ومصداقيته. كنا نفضل فريقاً محدوداً عالي الالتزام والكفاءة على حضور عددي واسع بلا أثر حقيقي. لذلك أولينا عناية خاصة لنوعية المادة المقدمة، وقيمة المحتوى العلمي والتربوي، ومستوى المشاريع التي ينفذها مدربونا خلال مراحل تكوينهم، لأن أطفالنا يستحقون الأفضل لا الأكثر.

إلا أن الواقع اليوم تغيّر. الإجراءات القانونية والإدارية أصبحت أكثر تعقيداً وطولاً، وأي تعديل أو إجراء قد يستغرق أسابيع طويلة، وهو ما يرهق العمل التطوعي ويعطّل نسق المبادرات. كما أن الأعباء الجبائية والإدارية المفروضة على الجمعية، حتى في غياب موارد حقيقية أو دعم منتظم، أصبحت تثقل كاهلنا في ظل عدم توفر ميزانية ثابتة. في المقابل، تراجع منسوب التطوع بشكل ملحوظ، وأصبحت الاستمرارية بنفس النسق أمراً غير ممكن عملياً.

لقد حاولنا بكل جهد أن نجد سبيلاً لمواصلة العمل بالشكل المعتاد. راجعنا الخيارات، ودرسنا البدائل، وبحثنا عن حلول تنظيمية ومالية تضمن الاستمرار. لكن كل الاستنتاجات كانت تقود إلى النتيجة نفسها: لا يمكن مواصلة المخيمات، والرحلات، والنوادي العلمية، والمسابقات، والتظاهرات، أو دعم الأنشطة والمؤسسات كما في السابق دون مقر، ودون موارد، ودون بيئة تنظيمية أكثر مرونة.

وعليه، نُعلن أنه تزامناً مع الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس أطفال علماء، تقرر تعليق أنشطتها بصيغتها الجمعية الحالية بصفة مؤقتة، مع الإبقاء على الفكرة واستمرارها في شكل مبادرة معرفية مستقلة.

ويعني هذا القرار تعليق جميع الأنشطة الميدانية والبرامج المنظمة في صيغتها السابقة، إلى حين توفر ظروف تنظيمية ومالية أكثر استقراراً، تُمكّن من استئناف العمل في إطار مؤسسي مستدام وواضح المعالم.

هذا القرار ليس تراجعاً عن رسالتنا، ولا تخلياً عن إيماننا بالعلم والطفولة. بل هو خطوة واقعية ومسؤولة، تضع الحقيقة فوق المجاملة، وتحافظ على جوهر الفكرة بعيداً عن الاستنزاف.

وندعو كل الأحبة، وكل من يؤمن برسالة أطفال علماء، خاصة في تونس، إلى مشاركتنا تصوراتهم وحلولهم. فالمبادرات الكبرى لا تموت، بل تعيد ترتيب نفسها حين تضيق الظروف.

وفي ختام هذا البيان، نُعلم أن هذا التحول جاء بناءً على قرار صادر عن المجلس الوطني، وبالتشاور مع الهيئة التنفيذية الحالية. وعليه، تُحلّ الهيئة التنفيذية بصيغتها الراهنة، على أن يتولى المجلس الوطني إدارة المرحلة الانتقالية بصفة مؤقتة.

وسيتم استثمار فترة التوقف في إجراء مراجعة شاملة وعميقة للبرنامج التربوي، وللنظام الأساسي والنظام الداخلي، مع إعداد تصورات متكاملة لتطوير الهيكلة والرؤية وآليات العمل، بما يضمن عودة أكثر صلابة وتنظيماً واستدامة متى توفرت الظروف المناسبة.

كما سيتم الإعلان الرسمي عن هذا القرار عبر المنصات والمواقع الخاصة بأطفال علماء، وإعلام مؤسسات الدولة المعنية به في الإطار القانوني المعتمد.

أطفال علماء كانت فكرة، وأصبحت تجربة، وستبقى رسالة.

المجلس الوطني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى